السبت، 30 أبريل 2011
الاثنين، 11 أبريل 2011
وطن مختزل
1
في حديث مع الأحد الأصدقاء الفيسبوكيين أمس ، سألني باهتمام : ماذا كتبت للعيد الأربعين. فأجبته ببساطة : لاشيء. ويبدو أنه استنكر فعلتني المشينة وعلق قائلا: لماذا لم تكتبي ؟ ، أين الوطنية .. فأجبته أن الوطن والوطنية عندي لا يقيمه تاريخ ميلاد أحد ، عمان عندي ذات أسمى تسكنني لا أختزلها في يوم واحد ... ثم بدأ التعليل : كنت أعني أنه عليك ان تكتبي شيئا لجلالة السلطان .. فقلت : قد أكتب لعمان ، لكنني لن أكتب لقابوس ... ويبدو أن ردي أستفز صاحبنا فقال : قابوس هو عمان ، وعمان هي قابوس .. وببرودي المعتاد أجبته : مخطئ يا سيدي ، عمان ذات خالدة ، أما قابوس فمواطن عماني محكوم بالرحيل ، هو مثلي ومثلك يخدم عمان في منصبه ، وكلنا نفعل ذلك ، الفرق أن مسؤولياته ذات مسمى أكبر .... وهنا قال : طفول ماذا تقولين .. هذا كلام كبير يا طفول ، كبير جدا .. ولكن لن أناقشك ، فلا بد أنك تشعرين بانك مظلومة لذا قلت ما قلت ... ضحكت على منطقه والزاوية التي نظر خلالها للموقف وقلت ببساطة : لا أهتم
شعار مهين جدا للوطن كنت أقرأه كلما ذهبت إلى مسقط ، لوحة كبيرة جدا ممدوة بعرض الشارع مكتوب عليها : ( بابا قابوس ، انت عمان ) وكنت أفكر في خلدي أين سقطت ياء ( عماني ) ليصبح ( عمان ) .
ودائما تتكرر ذات الشعارات التي نقرأها أو نسمعها من أفواه أولائك الذين يتشدقون بحب عمان باسم قابوس ...
نعم ، لا شك أن قابوس قائد استثنائي وفذ ، وذو حكمة وحنكة عسكرية ، وهيبة بين القادة ، ولا شك أيضا أننا ندين له ( ولأخلاقنا ) بالأمان الذي كنا نعيش ، واتضح في مواقف عدة أنه قائد محب لوطنه وشعبه. ولكن ذلك لا يعطينا الحق في أن نختزل عمان فيه ...
لمن لا يعرف عمان ... ويظن أن عمرها 40 عاما... سأعرفكم بها ....
عمان كانت مهدا للحضارات القديمة قبل التاريخ ، هنا على أرضها قامت واندثرت أمم وشعوب وحضارات عريقة ، والأثار من أقصى الجنوب إلى اقصى الشمال شاهدة عليها .. ثم أنها أول دولة تعتنق الإسلام سلما ، لما كان في أهلها وقادتها من حكمة وحصافة وعقل رصين يزن الأمور فيتبع أحسنها وأقربها لميزان العقل والروح ... تتابع على حكمها الكثير من الرجال العظماء الذين لا زال التاريخ حافلا بأسمائهم وجعلوا من عمان يوما ما إمبراطورية ممتدة من شرقي آسيا وحتى جنوب أفريقيا ، وامتلكت أقوى اسطول بحري عرفته الأمم وسادت يومها البحار ، ووصلت إلى درجة عالية من الحضارة والرقي العلمي والأدبي ، وأخرجت علماء اللغة والدين والعلوم ... ....
كيف نختزل كل تلك العظمة والتاريخ العريق في 40 سنة وشخص قابوس ، وكأننا نرى عمان وليدة السبعين ... أي ظلم نمارسه في حق أولائك العظماء الذين صنعوا ترايخ عمان حين نقول بأن عمان ( لم ولن تلد شخصا كقابوس ) وأي ظلم نلحقه بالأجيال المقبلة من قادة الوطن ....
أي حب ممسوخ للوطن حين نقول ( قابوس هو عمان ) ونحب عمان باسمه ، وحين يرحل قابوس ، يموت الحب معه ويتوجب علينا أن نحبها باسم آخر ، وتضيع عمان في زحمة الأسماء ... حين يصبح الولاء لكرسي لا لأرض يموت الولاء معه ، ... ثم أين ذهب العمانيون ، والأرض والشعب مزيج لا ينفصل ، أي تهميش هذا يمارس ضدهم من قبلهم ، ألسنا ( كلنا عمان ؟ ) ..
لو نتأمل فقط في قدر الضياع الذي نزج به في هذا الوطن ، في رمز بسيط جدا ، ( النشيط الوطني ) أو بالأحرى ( النشيد السلطاني ) ، نحن لا نهتف فيه للوطن كما تفعل كل الأمم ، بل نهتف فيه لقابوس .. حتى مطلعه لم نقل فيه ( يا ربنا احفظ لنا عمان ) بل ( جلالة السلطان ) ... وكأنه بات أكثر أهمية وأعلى قيمة من الوطن ... وعندما يرحل هذا الرجل .. سيتوجب علينا أن ندعوا الله أن يحفظ رجلا آخر ... مهين جدا ما يحدث هنا للشعب والوطن ، فالرجل سيتغير حتما ، لكن لا يتغير الوطن ... فلماذا لا نهتف للوطن في صباحاتنا ومساءاتنا ؟؟؟؟ بدلا من أن نساق من اسم إلى آخر ، وكأننا قطيع مسلوب الإرادة ...
أشعر أحيانا أن هذا الشعب منوم مغناطيسيا وما عاد يسيتطيع التفريق بين الوطن الخالد والكرسي المحكوم بالزوال ، ومؤسف جدا كل هذا الخلط وعدم القدرة على حب الوطن لأجل الوطن ...
نعم .. قابوس أحدث فرقا بعد السبعين ، ولكن هناك أمرين لا يجوز أن نغفل عنهما .. قابوس أحدث فرقا لأن الشعب أراده وسعى لهذا الفرق في المقام الأول .. كما أن ما قام به قابوس ، ليس منة أو كرامة منه ، وليس شيئا زائدا عن حاجة الناس ، إنه حق كل مواطن يعيش في أرضه ، حقه في العيش الكريم ، في العلم ، في العلاج ، في الخدمات الأولية والبنية التحتية ، فماذا فعل قابوس غير واجبه؟ ... وماذا عساه أعطانا فوق حقنا ، أستغرب جدا أن أعظمه لأنه أعطاني حقي ، ... هل كان يتوجب علي أن أنتزعه انتزاعا؟
ما تم إنتاجه خلال 40 عاما ليس سو شعب يقتات على المنن والعطايا ، شعب ( يشحت حقوقه ) ، ويقبل بطيب خاطر المكرمات ويقبل اليد التي اعطته وتكرمت عليه بكل إجلال ، وينسى أنه ذلك ليس إلا حق من حقوقه المشروعة ..
دعوة لكل من لم يعرف عمان ، أن يعرفها ...
الوطن أعظم من أن يختزل في شعاراتنا المشينة والمهينة لنا وللوطن ...
أنا أحب القائد ... لكن ، لا يمكن أن احبه أكثر من وطني ، ولا يمكن أن أراه وطني ...
طفول زهران
الأحد، 27 مارس 2011
حكاية النار
كان كل ما يحيط به أغبرا ، أرض قاحلة تمتد بلا انتهاء . وعواصف عاتية تثير زوابع الغبار والدخان المتصاعد من كل اتجاه .
بين كل ذلك كان يقف أبوها وحيدا وبيده بندقية ، شاخصا ببصره نحو الطائرات التي تمشط الفضاء كأسراب من الجراد ، وفي عينيه المحتقنة تنعكس آلاف الحرائق ، تنصهر وتنسكب حمراء تختفي في لحيته الكثيفة المشتعلة بالبياض ، يهتف ، وعروق جسده المنتفض نافرة من الغضب : "ليتني كنت معهم " ولا يني يرددها كأهزوجة موت أحمر .
أيقضها من نومها قلق وخوف لم تشعر به من قبل، فكلما أغمضت عينيها تنزلق إلى هوة الحرائق المشتعلة في عينيه ، وتغرق بطوفان الدموع المتجمعة على ضفافها.
حارت فيما تفعل، لتخفف من حدة الخوف الذي يجتاحها وذلك الإحساس المؤلم بالضيق وكأن يدا تضغط على قلبها بقسوة لتوقفه عن الخفقان، رغم أنه كلما نبض تصافقت عظام صدرها من شدته.
خطت على الأرض الباردة التي تلسع قدميها الحافيتين ،... فتتصاعد البروده حتى صدرها وتتشنج عضلات رقبها وفكيها وتصطك أسنانها، فيزداد الألم ، وتحيط نفسها بذراعيها ولكن بلا جدوى ...
التقطت شالا بنيا عريضا ملقا على أرضية الغرفة ، لفت به نفسها ، ووجدت نفسها تقف باتجاه القبلة . وقفت طويلا تفكر فيما عليها أن تفعل ، وتساءلت : هل عليها أن تصلي؟
تلفتت حولها خجلا من أن يراها أحد تصلي في هزيع الليل، كانت قد تشربت الكثير من روح والدها المتمردة، فهي ابنه رجل لم يؤمن بالصلاة ، لم يؤمن إلا بالبندقية والكتاب ،و لم يقرأ القرآن، قرآنه كان البيان الشيوعي لماركس، حتى بلغ الخمسين ووقع مصادفة على آية حولته من اليسار الشيوعي إلى اليسار الإسلامي. لكنها لم تتأثر به بعد الخمسين ، بدى لها رجلا خائفا ومسالما، بعيدا عن كل ما غرسه فيها من ثورة وتمرد.
وفكرت ، ماذا عليها أن تسمي هذه الصلاة ، فهي لم تقم الليل من قبل ، ولابد أن هذه الصلاة ليست كذلك ، لم تتوجه إلى الله بدعاء يوما، وكان يخجلها أن تركع الآن لاجئة إليه أن يخفف عنها أعاصير الخوف التي تجتاحها، حارت كيف تصوغ كلمات الدعاء وبماذا عليها أن تبدأ...
حدثتها أمها ذا مساء ماطر بدموعها بعد يأسها من نصح الأب العاصي أن يصلي : نعم، صلى والدك بخشوع وصدق مرة واحدة ، حين رأى في الحلم أنه يذبحك ، ولم أره يصلي بعدها.
لا بد أنه دعى يومها أن يبعث الله له ذبحا عضيما - كما فعل النبي إبراهيم - ، كي لا يضطر لذبح ابنته ... لو خيرها ، لما كانت لتقول ( يا ابت افعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين )، كانت ستهز كتفيها بلا مبالاة وتقول : افعلها وخلصني!!
كل ذلك كان يستنفر الدموع في عينيها، ويخنقها نشيجها الصامت، وقررت أن تسجد طويلا...
أخبرها والدها - بعد الخمسين- مرة أنه يشعر بأن الله يتعامل معه كصديق حميم ويمد له يد المساعدة في كل شيء ، لكنها لم تشعر بذلك من قبل ، فطوال السنين الماضية كان يحدثها عن ماركس ولينين وجيفارا ، عن الثورة والغضب والكفاح ، ساعات طويلة كلما سنح الوقت ليكونا لوحدهما ، لذلك ماعادت تستسيغ حديثه الآن عن الله ومحمد النبي ، رغم انه كلما تحدث بأسلوبه المؤثر عنهما تشعر بحب كبير تجاههما ، ربما لانهما حققا سكينة لروح والدها التي لم تعرف السكينة طوال خمسين سنة.
وهمست في سجودها الطويل : ( اللهم اجعل الموت راحلة لي من كل شر ).
صعقها أن تدعوا بذلك ، وكأنها تقول بطريقة أخرى : إفعلها وخلصني ..
ضلت منكبة على جبينا ودموعها الغزيرة يستدرها ألم خفي أن لا مغفرة ولا راحة ترتجى، وأنها مثقلة جدا بالذنوب ومغرقة البخطايا، ولا وقت لديها لتبلغ الخمسين حتى تصلي.
مر زمن طويل على حالها، حتى شعرت بأنها جد منهكة ومخدرة، وكأن الأرض امتصت كل طاقتها، نهضت من سجودها وسارت وهي تترنح صوب الباب المفضي إلى خارج غرفتها ، لكنها تراجعت في هلع حين رأت وجهها على المرآة المعلقة بالباب.. ، كان جبينها مضرجا بالدماء ومعظم وجهها مصطبغ بلون الدم القاني ، .. تفحصت وجهها ، لا أثر لأي جرح ، ولا مبرر للنزف ..، شالها البني كان مثقلا بالدماء المتخثرة عليه ، وفي الأرض حيث سجدت بقعة كبيرة من الدماء .
وانكفأت على نفسها عند زاوية الباب ، ما كانت الدموع لتغسل ذنوبها ، ولا الدماء تستطيع ، ولا شيء آخر ، سوى الحرائق التي رأتها في عيني والدها ..
.أغمضت عينيها ، واستسلمت هذه المرة لانزلاقها إلى القعر المظلم للحرائق المشتعلة في عينيه ..
طفول زهران
السبت، 19 مارس 2011
تفاصيل الرحيل
رغم صخب المكان ، لازالت هناك زواية صامتة جدا ، مزروعة في الحزن ، ومغسولة بعبق النسكافيه الصباحية وعطر العود...
الالتفاتة اليتيمة من خلف الكتف الأيمن ، لا تعيد ملأ الفراغ الموحش ..
الممرات الآن لم تعد معطلة بحشد الفتيات اللاتي كن يتسابقن نحو المقاعد الثلاثة التي تحتمل المنغرسين عليها تباعا حتى يوقف الصخب دوران المفتاح في قفل الباب عند الخامسة ...
لا زال هناك صدى هامس للضحكات الأخيرة ، والكلمات المخجلة التي تتردد في أكثر الأماكن انزاواءا وعتمة...
طرقات الأصابع المترددة لا تزال دافئة على صدر الباب البارد ...
تلك العينين الحزينتين ما عادت تضيء ظلمة المكان .. كل التفاصيل الصغيرة مغسولة بحزن الرحيل ولونه الغسقي الباهت ، وتنزلق بهدوء إلى قعر الصمت المخيف ...
الرفوف التي كانت مثقلة بالكتب والمجلدات والأوراق المبعثرة ، وجد الغبار مستقرا عليها وسكن مفترشا بانتظام ذلك السطح الأسود الفارغ، الموشوم بعناوين لا تنمحي ...
الطاولة باتت مرتبة وهادئة .. ومتشحة بالنعاس ، ما عادت تكتسي بالفوضى والأوراق المبعثرة بلا انتظام على سطحها ...
هالة الجسد الفارع خلفها بدأت تتلاشى وتختفي ، وبدأت هالة أخرى من الحزن واليتم يحيك الزمن خيوطها ترتسم هناك ... وبدأت معها قصة أخرى للألم والمنفى ...
اندفع الباب بعنف وارتطم بالجدار الأبيض خلفه ...
شخص آخر تربع على ذلك الكرسي الجلدي ،.. لحيته الكثيفة تتدلى حتى صدره..
رسم ابتسامة صفراء على وجهه ، وأشار لها بالجلوس ، ترددت كثيرا قبل أن تلج إلى عالم ما عادت تعرفه، وفقد كل دفئه القديم .. كل هذا الهدوء والترتيب والنظام لا يليق بمكان كان الجنون يحكم كل شيء فيه...
بدأت حديثها باقتضاب : نريد عمل مشروع صغير.
جاء الجواب سريعا : صعب جدا.
أرادت تفادي أي طريق يوصلها للجدال : سأقوم بتحمل كل التكاليف المادية، فقط أريد الموافقة عليه.
رد بذات البرود : لا يمكن، إنها قضية مبدأ
وتساءلت في ضميرها : أي مبدأ؟؟؟
وأردفت بإصرار : أنا مصرة ، يجب أن اقوم به
ترك القلم الذي كان يعبث به ونظر إليها ، في حين أنها كانت تنظر للحيته الطويلة التي تتهتز كلما تحدث : لسنا بصدد أن نتحدى بعضنا..
صمتت طويلا، واستجرت نفسا عميقا ، وتذكرت كم كان المستحيل سهلا في وجوده ، لكنه حين رحل أصبحت كل الممكنات السهلة ، أحلام صعبة التحقيق بعيدة المنال ، لأن الخائفين أخذوا أماكن المجانين.
ولأن كل الكلمات باتت عقيمة بلا معنى أمام عقل متحجر لا يريد أن يفهم ، لملمت شتاتها وأحلامها المبعثرة ، وتذكرة باهتة للسفر إلى أقسى المنافي القصية عن دفء الأرواح الحبيبة.. وخرجت غائمة الروح والعينين ، تخنقها غصة مؤلمة وإحساس مر بالخذلان ..
لا زالت روحها ترزح تحت وطأة الغياب .. ولا زال رحيلة أقسى من أن يحتمل ، حتى بعد كل ذلك الزمن الطويل ، غيابه يتم آخر .. وكل الأماكن دونه مناف لا تحتمل .....
طفول زهران
الثلاثاء، 15 مارس 2011
حتى لا تفقد الكلمات الجميلة معناها
1
في حديث ساخر مع أحدا لأصدقاء قلت: فلنشرب حليب الدجاج ونأكل بيض البقر...
قال معلقا:إذا استطعنا حلب الدجاج فمن يستطيع إجبار البقر على أن تبيض ؟؟؟؟ !!!!
فقلت: سهلة .. نعتصم أمامها حتى تبيض ، كل ما هو غير معقول بات ممكنا الآن ، عليك بالاعتصام !!!! ...
نعم .... قد يبدو حوارا سخيفا جدا .. وخاليا من أي قيمة أو معنى
..
تذكرت ماقاله أستاذي التونسي في مادة تحليل الخطاب ..حين كنا نتحدث حول موضوع غريب أيضا .....
ما هو تأويل كلمة ( التفاحة ) في أحد العبارات ، وكيف تصبح هي القيمة الأكبر في الخطاب الذي نحلله .. وبدأ الطلبة بالتأويل ، هناك من أشار لتفاحة آدم ، وتفاحة نيوتن ، وتفاح كثير جئنا على ذكره .. وحين جاء الأستاذ على إيضاح عدم إمكانية اعتبار بعض الاحتمالات لأسباب محددة علق أحد الطلبة قائلا : ( كيف ما ممكن؟ .. بنطلع اعتصام )
تضاحك الطلبة ، لكن الأستاذ ابتسم بأسى كبير وأطرق ، وضل صامتا طويلا ، ثم ندت عن صدره آه وتفحص وجوهنا ثم قال : أخشى ان ما يحدث سيجرد الكلمات الجميلة من معانيها....
اعتصام ، ثورة ، مظاهرة ، كل هذه الكلمات باتت تستخدم في صنع النكت والطرائف ، وفقدت معانيها الإنسانية الجميلة...
في الجامعة يعتصم الطلبة ويطالبون بالنجاح !!!! .. لماذا ؟ ... لأنهم دفعوا مبلغا لذلك، وهذا يكفي لينجحوا !!!! ..
يعتصم الطلبة لأجل أن لا يحتسب الغياب ولا يحاسبوا عليه .. لماذا ؟ ... ( والله دافعين فلوس ، ما من جيبهم يدرسونا ) ...
باختصار : ( نطالب بالمساواة بين الفاشل والمجتهد .. بين المهمل والجاد .. بين من جاء ليدرس ، ومن جاء ليشتري (شهادة)!!! ... طيب ليش ؟ .... والله دافعين فلوس !!!! ) ... بهذا المنطق يتحدث الطلبة الجامعيون ، ولأجل ذلك يعتصمون ...
وأكاد لا أستوعب كل ما يحدث ...
نعم من حق الجميع أن يخرج ليقول بصوت مسموع ( أريد حقي ) ، ليس هناك من أحد يملك حق لجم الأفواه ...
ولكن .. أرجو أن لا تفقد الكلمات الجميلة ما تبقى من معانيها !!!!!
كنت قد قررت أن أبقى بعيدة عن كل ما يحدث ، لكنني أشعر أنني أعتصر ...
أشعر أن روح هذا الوطن تئن .....
وأنينها يؤلمني .....
الجمعة، 11 مارس 2011
ذبابة الHR
طقطقة لوحة مفاتيح الحاسوب تعلو من مكتبه ، ونظارته الكبيرة التي تغطي نصف وجهه تعكس جدول البيانات الذي يعمل عليه...
توقف فجأة وبدأ يحرك عينيه صوب سطح مكتبه اللامع البالغ الترتيب...
أمسك رزمة أوراق كانت بجانبه , ورفعها بحذر وبطء شديد، وهو ينظر من أعلى النظارة المنزلقة حتى طرف أنفه ، وهوى بها فجأة على الطاولة ،,,,
صوت ارتطام الورق بالطاولة أقلق السكون المطبق على المكان....
علت وجهه ابتسامة نصر، ورفع الورق ونظر إلى بقعة الدم الأسود للذبابة التي هرسها بضربته القوية....
نفض الورق وأعاده إلى مكانه....
جدول البيانات الذي ينعكس على نظارته تمدد ليغطي ملامح وجهه...
أصابعه التي تتحرك بجنون على لوحة المفاتيح أصبحت تخطئ الحروف وتكتب طلاسم أخرى على الجدول المطبوع في وجهه.....
صوت لوحة المفاتيح يخفت حتى ينعدم تماما.....
جدول البيانات مطبوع على وجهه ، وذبابة صغيرة تحوم بهدوء فوقه - تحط على زاوية قصية من خده الأيسر ، وتضع نقطة لنهاية السطر....
طفول زهران
الأحد، 16 يناير 2011
لكنني .. أخشى الخلود
ا
كان صباحا باردا جدا...
صباحات إمطي لا توقد النار ولا تعترف بالدفء ، تتشح بشالها الأخضر المرصع ببلور من الندى، ترسم الشمس بداخله ألوانا قزحية براقة.
أخذت مفتاح السيارة ورميت على كتفي شالا أصفرا وخرجت باتجاه بيت أحدى زميلات الدراسة في المرحلة الثانوية.
أوقفت السيارة تحت ظل شجرة ( القاوّ ) الكبيرة ، ومشيت عبر مزارع (حلة الرم ) وانا أحاذر أن تلتصق بملابسي تلك النبتة الفضولية الصغيرة ، كنا نحب العبث بها عندما كنا صغارا ، حين نخرج وكل بيده دلوه الصغير المميز بلونه لنملأه بما تساقط من بسر النخيل ، كنا نسميها ( بو مطبّاق ) ، ولا زلت لا أعرف اسما آخر لها
كان السكون يلف المكان .. لا أسمع سوى وقع خطواتي على التراب وصوت احتكاك العشب المبلل بتثيابي ، وصوت خرير ماء يأتي من أحدى السواقي البعيدة
توقفت أمام حجرة يتيمة لا يغطي جدرانها سوى ذلك الإسمنت الأغبر ،وخط أبيض من الكلس كونته مياه الأمطار منذ زمن أسفل المرزاب..
ساقية ماء صغيرة تمر من أمام الحجرة ... هناك تقف بشائر ، ترتدي عباءتها البسيطة وشالها الأخضر الباهت ، تتحدث إلى ثلاث عجائز غمسن أرجلهن في ماء الفلج الدافء ، تعلو وجوههن تلك السكينة التي يهبها الزمن لمن لم يتبق له سوى انتظار النهاية – الموت – ، وتلك التجاعيد الغائرة عميقا في وجوههن تحكي ملحمة لزمن مضى وأبقى بصمته الأبدية عميقا على المحيا.
اقتربت منهن وأنا ألقي السلام وتوجهت إلى العجائز الجالسات ، انحنيت لأصافحهن وأنا أمد كلتا يدي ، أتلمس بيمناي خطوط الأكف الخشنة المتشققة ، لا بد أنها آثار الحبال والمجز وإسفنج الغسيل أو ليف النخيل والتراب وكل شي مر على هذه الأيادي ... تسري قشعريرة باردة في أطرافي كلما لامست أناملهن الباردة يدي ... وعلى كفي الأيسر كانت تنطبع خريطة العروق المتشعبة التي تبرز في ظاهر يد كل منهن كلما ظممتها بين يدي ...
عند كل واحدة أتوقف طويلا وأنا محنية الظهر أنظر مباشرة إلى عينيها ولا أقوى على سحب يدي من قبضتها القوية التي اعتادت على العمل الشاق حتى تنهي جميع الاسئلة المعتادة المكررة : ( مو حالش ؟ .. مو حالها امش ؟ ... وحيانش واولادش كلهم بخير ؟ ) ... وأرد بتلقائة : ( الحمد لله كلهم بخير وعافية ما يشكيو باس ... بعدني ما متزوجة ماه ) ... تفتح عينيها بدهشة وترد : ( هوه .. عجب ذك ختش بو متزوجة بن خالتش ما انتيه ؟ ... عجب من انتيه ) ... أعود أرد عليها وأنا أرفع صوتي و أنحني لها أكثر لتسمعني بوضوح : ( هيوا ذك اختي العودة ... أنا بو أصغر عنها ) ... وترد بأسف : ( سامحيني امي ما عرفتش ... عجب انتيه بو مسافره أمريكا ؟ ... متى رجعتي ؟ .. بعيد الشر كيه حتى ما حد خبرني إنش جاية .. مو انتيه والغربة) ... وأرد بذات الأسلوب : ( بعيد الشر ماه ... كيه راجعه من 3 سنوات .. وبعدني لاقتنش في حولحول بنت سلام ومتغدين رباعة ... وا عدتي نسيانتني؟) ... ترد بضحكة مجلجلة أحبها : ( وابوي كيه ذك انتيه ؟ ... الله يصرفني ما عرفتش ... ماشي عدت عجوز هاهاهاهاها ) ... وأرد بحب :( معليه ماه مسموحة ) ... وتفك يدي حينها لأسلم على الأخرى ، فتعود لتسأل ذات الأسئلة بذات الأسلوب ....
أخذتني بشائر إلى تلك الحجرة المنعزلة ... خلعت نعلي أمام الباب فوق سجادة صغيرة مهترئة تحول لونها الأحمر إلى الأصفر والبني ، يغطي معظم أجزائها الطين ... بداخل الغرفة سرير منعزل عند الزاوية وكرسي خشبي متشظٍ أمام طاولة تقف عليها مرآة كبيرة أو شبه مرآه فقد أكل معظم أجزائها الصدأ ، وعلى الأرض فرش بساط بالٍ خرجت خيوطه وتمزقت..
جلسنا على الأرض الإسمنتية الباردة وتجاذبنا أطراف الحديث حول ذكريات الدراسة وأحوال الزميلات ... حين بدأ صوت أنين من الخارج يصل مسمعي .. توقفت عن الحديث وأطرقت أنصت لهذا اللحن الحزين ، وعندما تيقنت أنه صوت بكاء يأتي من الخارج ،سألت بشائر : ( هناك من يبكي في الخارج )
: نعم ... هذه جدتي
: لماذا تبكِ ؟
: تتذكر الأموات
وقفت وسرت إلى الخارج .. من حيث ينهمل ذلك الصوت المتهدج .. فتحت الباب بحذر ووقفت أمامه أصيخ السمع ، كان الصوت آتيا من الجانب الآخر للحجرة ، توجهت إلى هناك ، وتبعتني بشائر ..
تحت ظل النخلة الفارعة الطول ، كانت تجلس جدة بشائر ، تغسل ملاءات بيضاء في ماء الفلج ، تردد موالا حزينا تذكر فيه محاسن موتاها وتشكو فقدها وشوقها لهم ويتمها وغربتها بعدهم وتدعو الله أن يجمعها بهم ، يخنق صوتها المتحشرج البكاء وتجد الدموع طريقا سهلا تقطعه نزولا من خديها عبر الأخاديد التي حفرها الزمن عميقا في وجهها، وتغص السواقي هناك بالدموع ... ترفع يديها الراعشة لتعصر عينيها كلما ضاقت بها الدموع ، وتعود لتغسل ملاءاتها البيضاء ...
التفتت إلى بشائر ... : ( ماذا تفعل ؟ )
: ( كل يوم على هذه الحال ... إنها تغسل كفنها ... وتنشره تحت الشمس .. حتى إذا جف عادت في اليوم التالي لتغسله من جديد )
: ( لماذا تفعل ذلك؟ )
: ( كي لا يمن عليها أحد عند موتها بشيء .. هي جهزت كل شيء لنفسها ، الثياب والبخور والقطن والكافور .. وهذا الكفن ... تنتظر اليوم الذي تطوى فيه وتحمل على الأكتاف إليهم )
: ( الأموات ؟ )
: ( نعم !!! )
ودعت بشائر ، وعدت أدراجي وأنا أفكر كم أن الحياة مؤلمة حين لا يتبقى للمرء سوى أن ينتظر لحظة موته .. تذكرت بورخيس : ( أنا لا أخشى الموت ، لكنني أخشى الخلود ) .. حين يقول ذلك رجل عظيم كبورخيس ، ماذا يتبقى للبسطاء سوى الصمت وغسل الأكفان ...
ركبت السيارة ، وفكرة الخلود المرعبة تتملكني ، همست بقلب صادق : ( اللهم لا تردني إلى أرذل العمر ) ...
لا زالت إمطي باردة وبيتنا المخضر يضج بالحياة ، وكأن فكرة الموت لا تزعجه أبدا ، كما لا تزعجه فكرة الحياة ..
رائحة ورد شجرة ( الشريش ) الأبيض مبهجة في الصباح ، وورد الجلمور الأحمر يشي بدفء حميم ..
الحياة في إمطي فاتنة ...
لكنني ... أخشى الخلود ...
طفول زهران
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)




